أبو نصر الفارابي

108

كتاب السياسة المدنية

وإما على أنفسهم حتى يستعبدوهم وإما على أموالهم حتى ينتزعوها منهم . وتكون محبتهم وغرضهم من كل ذلك الغلبة والقهر والإذلال ، وأن لا يملك المقهور من نفسه أو من شيء آخر مما غلب عليه شيئا أصلا ، ويكون تحت طاعة القاهر في كل ما فيه هو القاهر . حتى أن الواحد من المحبين للغلبة والقهر متى كانت له همة أو هوى من شيء ما ثم نال ذلك بلا قهر لإنسان ما على ذلك لم يأخذه ولم يلتفت إليه . فمنهم من يرى أن يقهر بالمخاتلة ، ومنهم من يرى أن يقهر بالمصالبة « 1 » فقط ، وبعضهم يرى أن يقهر بالأمرين جميعا - بالمخاتلة والمصالبة - فلذلك كثير ممن يقهر على الدماء لا يقتل الإنسان متى وجده نائما ولا يأخذ له مالا حتى ينبهه ، بل يرى أن يأخذه بالمصالبة وبأن يكون له فعل يقاوم به الآخر حتى يقهره وينيله ما يكره . فكل واحد من هؤلاء يحب الغلبة ، فلذلك يحب أن يغلب كل واحد غيره من أهل المدينة ومن سواهم ، إلا أنهم إنما يمتنعون من مغالبة بعضهم بعضا على دمائهم وأموالهم لحاجة بعضهم إلى بعض لأن يبقوا أحياء ولأن يتعاونوا على أن يغلبوا غيرهم ولأن يمتنعوا من غلبة غيرهم لهم . ورئيسهم هو أقواهم بجودة التدبير في أن يستعملهم وأن يغلبوا من سواهم وأجودهم احتيالا وأكملهم رأيا فيما ينبغي أن يعملوا حتى يروا غالبين أبدا ، وأن يكونوا ممتنعين من غلبة غيرهم أبدا - هو رئيسهم

--> ( 1 ) بالمصالبة : بالقوة والشدة .